الانتقال الى المحتويات

الانتقال إلى المحتويات

الارتداد العظيم يتطور

الارتداد العظيم يتطور

الفصل ٤

الارتداد العظيم يتطور

‏«رب واحد ايمان واحد.‏» (‏افسس ٤:‏٥‏)‏ عندما كتب الرسول بولس تحت الوحي هذه الكلمات (‏نحو السنة ٦٠-‏٦١ ب‌م)‏،‏ لم يكن هنالك سوى ايمان مسيحي واحد.‏ ولكننا نرى اليوم وفرة من المِلَل،‏ الطوائف،‏ والعبادات التي تدَّعي انها مسيحية،‏ على الرغم من انها تعلِّم عقائد متناقضة وتتمسك بمقاييس سلوك مختلفة.‏ ويا للفرق الشاسع بينها وبين الجماعة المسيحية المتَّحدة الواحدة التي بدأت في يوم الخمسين سنة ٣٣ ب‌م!‏ فكيف حدثت هذه الانقسامات؟‏ من اجل الجواب،‏ يجب ان نعود الى القرن الاول لعصرنا الميلادي.‏

من البداية،‏ حاول الخصم،‏ الشيطان،‏ إسكات شهادة الشهود المسيحيين ليهوه بجلبه عليهم اضطهادا من الذين هم خارج الجماعة.‏ (‏١ بطرس ٥:‏٨‏)‏ اولا اتى ذلك من اليهود ثم من الامبراطورية الرومانية للامم.‏ واحتمل المسيحيون الاولون بنجاح كل انواع المقاومة.‏ (‏قارنوا رؤيا ١:‏٩؛‏ ٢:‏​٣،‏ ١٩‏.‏)‏ لكنَّ الخصم لم يستسلم.‏ فإذا كان لا يستطيع إسكاتهم بالضغط من الذين هم في الخارج،‏ فلِمَ لا يُفسدهم من الداخل؟‏ وبينما كانت الجماعة المسيحية لا تزال في طفولتها،‏ جرى تهديد وجودها من قبل عدو داخلي —‏ الارتداد.‏ *

إلا ان الارتداد لم يدخل خلسة الى الجماعة دون اعلان.‏ فبصفته رأس الجماعة،‏ كان المسيح على يقين من ان أتباعه جرى تحذيرهم مسبقا.‏ —‏ كولوسي ١:‏١٨‏.‏

‏«سيكون فيكم .‏ .‏ .‏ معلِّمون كذبة»‏

‏«احترزوا،‏» حذَّر يسوع،‏ «من الانبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان.‏» (‏متى ٧:‏١٥‏)‏ عرف يسوع ان الشيطان سيحاول ان يقسِّم ويفسد أتباعه.‏ ولذلك منذ وقت باكر في خدمته،‏ حذَّرهم من المعلِّمين الكذبة.‏

فمن اين كان سيأتي هؤلاء المعلِّمون الكذبة؟‏ «منكم انتم،‏» قال الرسول بولس نحو السنة ٥٦ ب‌م،‏ عندما كان يتكلم الى نظار افسس.‏ نعم،‏ من داخل الجماعة،‏ كان «سيقوم رجال يتكلمون بأمور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم.‏» (‏اعمال ٢٠:‏​٢٩،‏ ٣٠‏)‏ ان مرتدّين انانيين كهؤلاء لن يكتفوا بصنع تلاميذ لهم‏؛‏ فهم سيسعون الى ان «يجتذبوا التلاميذ،‏‏» اي تلاميذ المسيح.‏

والرسول بطرس (‏نحو السنة ٦٤ ب‌م)‏ سبق وأنبأ ايضا بفساد داخلي حتى انه وصف الطريقة التي سيعمل بها مثل هؤلاء المرتدّين:‏ «سيكون فيكم .‏ .‏ .‏ معلِّمون كذبة الذين يدسّون بدع هلاك .‏ .‏ .‏ في الطمع يتَّجرون بكم بأقوال مصنَّعة.‏» (‏٢ بطرس ٢:‏​١،‏ ٣‏)‏ وكالجواسيس او الخوَنة في معسكر للعدو،‏ فان المعلِّمين الكذبة،‏ على الرغم من انهم يقومون من داخل الجماعة،‏ كانوا سيسرِّبون افكارهم المفسِدة بطريقة سرية او خداعة.‏

ان هذه التحذيرات من يسوع ورسله لم تكن باطلة.‏ فالمقاومة الداخلية كانت لها بدايات صغيرة،‏ لكنها ظهرت في وقت باكر في الجماعة المسيحية.‏

‏«الآن يعمل»‏

في اقل من ٢٠ سنة بعد موت يسوع،‏ اشار الرسول بولس الى ان جهود الشيطان ليسبِّب انقساما ويحوِّل الناس عن الايمان الحقيقي كانت ‹الآن تعمل.‏› (‏٢ تسالونيكي ٢:‏٧‏)‏ وباكرا نحو السنة ٤٩ ب‌م،‏ في رسالة أُرسلت الى الجماعات،‏ ذكرت الهيئة الحاكمة:‏ «قد سمعنا ان اناسا خارجين من عندنا ازعجوكم بأقوال مقلِّبين انفسكم.‏ .‏ .‏ .‏ الذين نحن لم نأمرهم.‏» (‏اعمال ١٥:‏٢٤‏)‏ وهكذا فان البعض داخل الجماعة كانوا يجاهرون بوجهة نظرهم المعارِضة —‏ وفي هذه الحالة كما يتضح في مسألة ما اذا كان يلزم المسيحيين الامميين ان يختتنوا ويحفظوا الناموس الموسوي.‏ —‏ اعمال ١٥:‏​١،‏ ٥‏.‏

واذ كان القرن الاول يتقدم،‏ انتشر التفكير المقسِّم كآ‌كلة.‏ (‏قارنوا ٢ تيموثاوس ٢:‏١٧‏.‏)‏ وبحلول السنة ٥١ ب‌م تقريبا،‏ كان البعض في تسالونيكي يتنبأون خطأ بأن «حضور» الرب يسوع انما هو وشيك.‏ (‏٢ تسالونيكي ٢:‏​١،‏ ٢‏،‏ ع‌ج‏)‏ وبحلول السنة ٥٥ ب‌م تقريبا،‏ كان البعض في كورنثوس يرفضون التعليم المسيحي الواضح المتعلق بقيامة الاموات.‏ (‏١ كورنثوس ١٥:‏١٢‏)‏ ونحو السنة ٦٥ ب‌م،‏ قال آخرون ان القيامة قد سبقت وحصلت،‏ بكونها من نوع مجازي يختبره المسيحيون الاحياء.‏ —‏ ٢ تيموثاوس ٢:‏١٦-‏١٨‏.‏

ليست هنالك سجلات موحى بها في ما يتعلق بما حصل داخل الجماعة المسيحية خلال الـ‍ ٣٠ سنة التالية.‏ ولكن في الوقت الذي كتب فيه الرسول يوحنا رسائله (‏نحو السنة ٩٨ ب‌م)‏،‏ كان هنالك «اضداد للمسيح كثيرون» —‏ اشخاص كانوا ينكرون ان «يسوع هو المسيح» وأن يسوع هو ابن اللّٰه الذي جاء «في الجسد.‏» —‏ ١ يوحنا ٢:‏​١٨،‏ ٢٢؛‏ ٤:‏​٢،‏ ٣‏.‏

ولأكثر من ٦٠ سنة،‏ كان الرسل قد ‹عملوا كرادع،‏› ساعين الى كبح تيار الارتداد.‏ (‏٢ تسالونيكي ٢:‏٧‏،‏ ع‌ج‏؛‏ قارنوا ٢ يوحنا ٩،‏ ١٠‏.‏)‏ ولكن اذ كانت الجماعة المسيحية على وشك دخول القرن الثاني،‏ مات الرسول الاخير الباقي حيا،‏ يوحنا،‏ نحو السنة ١٠٠ ب‌م.‏ والارتداد الذي كان قد ابتدأ ببطء يدخل خلسة الى الجماعة صار الآن مستعدا للاندفاع دون رادع،‏ بتأثيرات تنظيمية وعقائدية مدمِّرة واسعة الانتشار.‏

رجال الدين وعامة الشعب

‏«انتم جميعا اخوة،‏» قال يسوع لتلاميذه.‏ «قائدكم واحد،‏ المسيح.‏» (‏متى ٢٣:‏​٨،‏ ١٠‏،‏ ع‌ج‏)‏ لذلك لم يكن هنالك صف رجال دين داخل الجماعات المسيحية للقرن الاول.‏ فكإخوة للمسيح ممسوحين بالروح،‏ كان لدى كل المسيحيين الاولين توقُّع الصيرورة كهنة سماويين مع المسيح.‏ (‏١ بطرس ١:‏​٣،‏ ٤؛‏ ٢:‏​٥،‏ ٩‏)‏ وبالنسبة الى التنظيم،‏ كانت تشرف على كل جماعة هيئة من النظار،‏ او الشيوخ الروحيين.‏ * وكل الشيوخ كانت لديهم سلطة متساوية،‏ ولم يُفوَّض الى ايّ منهم ان «يسود» على الرعية التي بينهم.‏ (‏اعمال ٢٠:‏١٧؛‏ فيلبي ١:‏١؛‏ ١ بطرس ٥:‏​٢،‏ ٣‏)‏ ولكن،‏ اذ ظهر الارتداد للعيان،‏ ابتدأت الامور تتغير —‏ بسرعة.‏

وبين الانحرافات الابكر كان الفصل بين التعبيرين «ناظر» (‏باليونانية،‏ اپيسكوپوس‏)‏ و «شيخ» (‏باليونانية،‏ پرسبيتيروس‏)‏،‏ بحيث لم يعودا يُستعملان للاشارة الى مركز المسؤولية عينه.‏ وفقط بعد عقد او نحو ذلك من موت الرسول يوحنا،‏ كتب إغناطيوس،‏ «اسقف» انطاكية،‏ في رسالته الى اهل سميرنا:‏ «لازموا الاسقف [الناظر] ملازمةَ المسيح أباه،‏ واتبعوا لفيفَ هيئة المشايخ [‏presbytery‏] اتِّباعكم الرسل.‏» وهكذا ايَّد إغناطيوس ان تكون كل جماعة تحت اشراف اسقف،‏ * او ناظر،‏ واحد،‏ كان يجب الاعتراف به بصفته مميَّزا عن،‏ ويملك سلطة اعظم من،‏ لفيف المَشْيخة.‏

ولكن،‏ كيف حدث هذا الفصل؟‏ ان اوغسطس نياندر،‏ في كتابه تاريخ الدين المسيحي والكنيسة،‏ خلال القرون الثلاثة الاولى،‏ يوضح ما حصل:‏ «في القرن الثاني .‏ .‏ .‏،‏ لا بد انه تشكَّل المنصب الثابت لرئيس المشايخ،‏ الذي له أُعطي الاسم [‏اپيسكوپوس‏]،‏ نظرا الى حيازته بشكل خصوصي الاشراف على كل شيء،‏ وكان بذلك مميَّزا عن باقي المشايخ.‏»‏

وهكذا وُضع الاساس لكي يظهر تدريجيا صف رجال دين.‏ وبعد قرن تقريبا،‏ صار كبريانوس،‏ «اسقف» قرطاجة،‏ افريقيا الشمالية،‏ مدافعا قويا عن سلطة الاساقفة ‏—‏ كفريق منفصل عن المشايخ (‏الذين عُرفوا في ما بعد بالكهنة *‏)‏،‏ الشمامسة،‏ وعامة الشعب.‏ لكنه لم يؤيد حيازة اسقف واحد السلطة العليا على الآخرين.‏ *

واذ صعد الاساقفة والمشايخ سلَّم السلطة التسلسلية،‏ تركوا في اسفله باقي المؤمنين في الجماعة.‏ فأدى هذا الى فصل بين رجال الدين (‏الذين يأخذون القيادة)‏ وعامة الشعب (‏هيئة المؤمنين المذعنة)‏.‏ تشرح دائرة معارف مكلنتوك وسترونڠ:‏ «من زمن كبريانوس [الذي مات نحو السنة ٢٥٨ ب‌م]،‏ ابي نظام السلطة التسلسلية،‏ صار التمييز بين رجال الدين وعامة الشعب بارزا،‏ وسرعان ما اعتُرف بذلك في كل مكان.‏ وفي الواقع،‏ من القرن الثالث فصاعدا،‏ صار التعبير clerus .‏ .‏ .‏ ينطبق بشكل حصري تقريبا على الكهنوت لتمييزه من عامة الشعب.‏ واذ تطورت السلطة التسلسلية الرومانية،‏ لم يعد صف رجال الدين مجرد رتبة مميَّزة .‏ .‏ .‏ بل صار يُعترَف به ايضا بصفته الكهنوت الوحيد.‏»‏

وهكذا،‏ في غضون ١٥٠ سنة او نحو ذلك بعد موت آخر الرسل،‏ دخل تغييران تنظيميان مهمان الى الجماعة:‏ اولا،‏ الفصل بين الاسقف والمشايخ،‏ اذ يشغل الاسقف المركز الاعلى في سلَّم السلطة التسلسلية؛‏ وثانيا،‏ الفصل بين رجال الدين وعامة الشعب.‏ وبدلا من كل المؤمنين المولودين من الروح الذين يشكِّلون ‹كهنوتا ملوكيا،‏› صار صف رجال الدين الآن «يُعترَف به .‏ .‏ .‏ بصفته الكهنوت الوحيد.‏»‏ * —‏ ١ بطرس ٢:‏٩‏.‏

ان تغييرات كهذه وسمت انحرافا عن طريقة الاسفار المقدسة لتوجيه الجماعات في ايام الرسل.‏ إلا ان التغييرات التنظيمية لم تكن النتائج الوحيدة للارتداد.‏

التعاليم الوثنية تتسلَّل

ان تعاليم المسيح النقية هي مادة مدوَّنة —‏ فهي محفوظة في الاسفار المقدسة.‏ مثلا،‏ علَّم يسوع بوضوح ان يهوه هو «الاله الحقيقي الوحيد» وأن النفس البشرية تموت.‏ (‏يوحنا ١٧:‏٣‏،‏ ع‌ج‏؛‏ متى ١٠:‏٢٨‏)‏ ولكن،‏ بموت الرسل وضعف البنية التنظيمية،‏ أُفسدت مثل هذه التعاليم الواضحة اذ تسلَّلت العقائد الوثنية الى المسيحية.‏ فكيف امكن حدوث شيء كهذا؟‏

احد العوامل الرئيسية كان التأثير الماكر للفلسفة اليونانية.‏ توضح دائرة المعارف البريطانية الجديدة:‏ «من اواسط القرن الـ‍ ٢ للميلاد ابتدأ المسيحيون الذين تدرَّبوا بعض الشيء في الفلسفة اليونانية يشعرون بالحاجة الى التعبير عن ايمانهم بتعابيرها،‏ من اجل اشباع رغباتهم العقلية الخاصة وبغية هداية الوثنيين المثقفين على السواء.‏» وعندما صار الاشخاص ذوو العقول الفلسفية مسيحيين،‏ لم يلزم وقت طويل لتصير الفلسفة اليونانية و «المسيحية» مترابطتين على نحو لا ينفصل.‏

ونتيجة لهذا الاتحاد،‏ تسلَّلت العقائد الوثنية كالثالوث وخلود النفس الى المسيحية المفسَدة.‏ لكنَّ هذه التعاليم تعود الى ابعد من الفلاسفة اليونان.‏ فاليونان اكتسبوها في الواقع من ثقافات اقدم،‏ لأن هنالك دليلا على مثل هذه التعاليم في الاديان المصرية والبابلية القديمة.‏

واذ استمرت العقائد الوثنية في التسلُّل الى المسيحية،‏ جرى تشويه او هجر تعاليم اخرى للاسفار المقدسة ايضا.‏

رجاء الملكوت يتلاشى

كان تلاميذ يسوع مدركين جيدا انه يجب عليهم ان يبقوا متيقظين لـ‍ «حضور» يسوع الموعود به ومجيء ملكوته.‏ ومع الوقت جرى الادراك ان هذا الملكوت سيحكم على الارض لفترة الف سنة ويحوِّلها الى فردوس.‏ (‏متى ٢٤:‏٣‏،‏ ع‌ج‏؛‏ ٢ تيموثاوس ٤:‏١٨؛‏ رؤيا ٢٠:‏​٤،‏ ٦‏)‏ ونصح كتبة الكتاب المقدس المسيحيون شهود القرن الاول ان يبقوا صاحين روحيا وأن يبقوا منفصلين عن العالم.‏ (‏يعقوب ١:‏٢٧؛‏ ٤:‏٤؛‏ ٥:‏​٧،‏ ٨؛‏ ١ بطرس ٤:‏٧‏)‏ ولكن عندما مات الرسل،‏ تلاشى التوقُّع المسيحي لحضور المسيح ومجيء ملكوته.‏ ولماذا؟‏

احد العوامل كان التلوُّث الروحي الذي سببته عقيدة خلود النفس اليونانية.‏ واذ ترسَّخت بين المسيحيين،‏ جرى هجر الرجاء الالفي تدريجيا.‏ ولماذا؟‏ يوضح القاموس الاممي الجديد للاهوت العهد الجديد:‏ «دخلت عقيدة خلود النفس لتحل محل الأُخرويات [التعليم عن «الامور الاخيرة»] التي للعهد الجديد مع رجائها بقيامة الموتى والخليقة الجديدة (‏رؤيا ٢١ وما يليه)‏،‏ بحيث تنال النفس الدينونة بعد الموت وتبلغ الفردوس الذي يُعتقد الآن انه أُخروي.‏» وبكلمات اخرى،‏ اعتقد المسيحيون المرتدّون ان النفس تبقى حية بعد موت الجسد وأن بركات حكم المسيح الالفي يجب اذًا ان ترتبط بالحيز الروحي.‏ وهكذا حوَّلوا الفردوس من الارض الى السماء،‏ التي اعتقدوا ان النفس الخالصة تبلغها عند الموت.‏ اذًا،‏ لم تكن هنالك حاجة الى التيقُّظ لحضور المسيح ومجيء ملكوته،‏ لأنه عند الموت رجوا كلهم ان ينضموا الى المسيح في السماء.‏ *

ولكن هنالك في الواقع عامل آخر جعل التيقُّظ لمجيء ملكوت المسيح يبدو تافها.‏ توضح دائرة المعارف البريطانية الجديدة:‏ «ان التأخر [الظاهري] لپاروسيا ادى الى إضعاف التوقُّع الوشيك في الكنيسة الباكرة.‏ وفي عملية ‹نقض الأُخرويات› [إضعاف التعليم عن «الامور الاخيرة»] هذه،‏ حلَّت الكنيسة المؤسسة اكثر فأكثر محل ملكوت اللّٰه المتوقَّع.‏ وتشكُّل الكنيسة الكاثوليكية كمؤسسة ذات سلطة تسلسلية متعلق مباشرة بانخفاض التوقُّع الوشيك.‏» (‏الحروف المائلة لنا.‏)‏ لذلك لم تتحوَّل بركات الحكم الالفي من الارض الى السماء فحسب لكنَّ الملكوت نُقل من السماء الى الارض.‏ وهذا «النقل» اكمله أوغسطين الذي من هيپّو (‏٣٥٤-‏٤٣٠ ب‌م)‏.‏ ففي مؤلَّفه الشهير مدينة اللّٰه،‏ ذكر:‏ «ان الكنيسة الآن ايضا هي ملكوت المسيح،‏ وملكوت السماء.‏»‏

وفي هذه الاثناء،‏ في السنة ٣١٣ ب‌م تقريبا،‏ خلال حكم الامبراطور الروماني قسطنطين،‏ مُنح اعتراف شرعي للمسيحية،‏ التي صار معظمها بحلول ذلك الوقت مرتدا في تفكيره.‏ وكان القادة الدينيون مستعدين ليعملوا في خدمة الدولة،‏ وفي البداية كانت الدولة تضبط الشؤون الدينية.‏ (‏قبل مضي وقت طويل،‏ صار الدين يضبط شؤون الدولة.‏)‏ وهكذا ابتدأ العالم المسيحي،‏ * الذي بمرور الوقت صار جزء منه (‏الدين الكاثوليكي)‏ دينَ الدولة الرسمي في روما.‏ والآن،‏ لم يكن «الملكوت» في العالم فقط بل كان جزءا من العالم.‏ فيا للاختلاف عن الملكوت الذي كرز به المسيح!‏ —‏ يوحنا ١٨:‏٣٦‏.‏

الاصلاح —‏ عودة الى العبادة الحقة؟‏

مِثل الزوان المزدهر بين الحنطة المخنوقة،‏ سيطرت كنيسة روما،‏ تحت سلطة حاكمها البابوي،‏ على الشؤون العالمية طوال قرون.‏ (‏متى ١٣:‏​٢٤-‏٣٠،‏ ٣٧-‏٤٣‏)‏ واذ صارت اكثر فأكثر جزءا من العالم،‏ ابتعدت الكنيسة على نحو متزايد عن مسيحية القرن الاول.‏ وعلى مر القرون دعت فرق «هرطوقية» الى اصلاحات داخل الكنيسة،‏ لكنَّ الكنيسة استمرت في اساءة استعمال السلطة وتجميع الثروة.‏ ثم،‏ في القرن الـ‍ ١٦،‏ بدأ فجأة الاصلاح الپروتستانتي،‏ ثورة دينية،‏ بكل قوته.‏

والمصلِحون مثل مارتن لوثر (‏١٤٨٣-‏١٥٤٦)‏،‏ اولريخ زْوينڠلي (‏١٤٨٤-‏١٥٣١)‏،‏ وجون كالڤن (‏١٥٠٩-‏١٥٦٤)‏ هاجموا الكنيسة في قضايا مختلفة:‏ لوثر في بيع صكوك الغفران،‏ زْوينڠلي في عزوبة رجال الدين وعبادة مريم،‏ وكالڤن في حاجة الكنيسة الى العودة الى مبادئ المسيحية الاصلية.‏ فماذا انجزت مثل هذه الجهود؟‏

من غير ريب،‏ انجز الاصلاح بعض الامور الجيدة،‏ والابرز ترجمة الكتاب المقدس بلغات عامة الشعب.‏ والموقف الحر للاصلاح ادى الى بحث موضوعي اكثر في الكتاب المقدس وفهم متزايد للغات الكتاب المقدس.‏ لكنَّ الاصلاح لم يسمْ عودةً الى العبادة والعقيدة الحقيقيتين.‏ * ولِمَ لا؟‏

كانت آثار الارتداد قد تسلَّلت عميقا،‏ الى اساسات العالم المسيحي عينها.‏ وهكذا،‏ على الرغم من ان فِرقا پروتستانتية مختلفة تحررت من السلطة البابوية لروما،‏ فقد ابقت بعض الاخطاء الاساسية للكنيسة الكاثوليكية الرومانية،‏ الاوجه التي نتجت من هجر المسيحية الحقة.‏ مثلا،‏ مع ان الحكم في الكنائس الپروتستانتية اختلف الى حد ما،‏ إلا ان الانقسام الاساسي للكنيسة الى صف رجال الدين المسيطِر وصف عامة الشعب الخاضع جرى استبقاؤه.‏ واستُبقيت ايضا عقائد غير مؤسسة على الكتاب المقدس كالثالوث،‏ خلود النفس،‏ والعذاب الابدي بعد الموت.‏ وكالكنيسة الرومانية،‏ استمرت الكنائس الپروتستانتية في ان تكون جزءا من العالم،‏ اذ كانت لها الى حد بعيد علاقة بالانظمة السياسية وطبقات النخبة الحاكمة.‏

وفي تلك الاثناء،‏ ما القول في التوقُّع المسيحي —‏ التيقُّظ لحضور يسوع ومجيء ملكوته؟‏ طوال قرون بعد الاصلاح،‏ كانت الكنائس —‏ الكاثوليكية والپروتستانتية على السواء —‏ مرتبطة بشدة بالسلطة الدنيوية وميَّالة الى تأجيل توقُّعات مجيء ملكوت المسيح.‏

تحريضات على التيقُّظ

ولكن،‏ في القرن الـ‍ ١٩،‏ ادى الجو الديني الى تحريضات على التيقُّظ المسيحي.‏ ونتيجة للبحث في الكتاب المقدس من جهة بعض رجال الدين وعلماء الكتاب المقدس،‏ أُعيد درس تعاليم كخلود النفس،‏ العذاب الابدي بعد الموت،‏ القضاء والقدر،‏ والثالوث.‏ وبالاضافة الى ذلك،‏ كان بعض تلاميذ الكتاب المقدس يفحصون بدقة نبوات الكتاب المقدس المتعلقة بالايام الاخيرة.‏ ونتيجة لذلك،‏ ابتدأت فِرق مختلفة من الاشخاص تفكِّر بجدية في رجوع الرب الموعود به.‏ —‏ متى ٢٤:‏٣‏.‏

ففي الولايات المتحدة،‏ تنبَّأ وليم ميلر عن رجوع المسيح بشكل منظور في السنة ١٨٤٣ او ١٨٤٤.‏ واللاهوتي الالماني ج.‏ أ.‏ بنڠِل عيَّن التاريخ لسنة ١٨٣٦؛‏ والايرڤينڠيون في انكلترا تطلَّعوا اولا الى السنة ١٨٣٥،‏ ثم ١٨٣٨،‏ ١٨٦٤،‏ و ١٨٦٦.‏ وكان هنالك فريق مينّوني في روسيا تطلَّع اولا الى السنة ١٨٨٩،‏ ثم الى السنة ١٨٩١.‏

ان مثل هذه الجهود للبقاء متيقِّظين عملت على تنبيه كثيرين الى توقُّع رجوع ربنا.‏ ولكنَّ هذه الجهود في التيقُّظ المسيحي انتهت الى خيبة امل.‏ ولماذا؟‏ لأنهم غالبا ما اعتمدوا اكثر من اللازم على البشر وليس الى حد كافٍ على الاسفار المقدسة.‏ وبعد عقود قليلة،‏ تلاشى معظم هذه الفرق من الوجود.‏

وفي هذه الاثناء،‏ خلال هذه الفترة كان لتطورات اخرى تأثير في الآمال والتوقعات البشرية.‏

عصر «التنوير» والتصنيع

في السنة ١٨٤٨ اصدر كارل ماركس وفريدريك انجلز البيان الشيوعي.‏ وبدلا من تأييد الدين،‏ الذي دعاه ماركس «افيون الشعب،‏» ايَّدا الالحاد.‏ وبينما كانا ظاهريا ضد كل دين،‏ عزَّزا في الواقع دين او عبادة الدولة وقادتها.‏

وبعد نحو عقد،‏ في السنة ١٨٥٩،‏ جرى اصدار اصل الانواع لتشارلز داروين؛‏ وقد اثَّر عميقا في التفكير العلمي والديني في ذلك الوقت.‏ ونظريات التطور ادَّت الى تحدٍّ لصدق رواية الخلق في الكتاب المقدس ودخول الخطية من خلال عصيان الزوجين البشريين الاولين.‏ (‏تكوين،‏ الاصحاحات ١-‏٣‏)‏ ونتيجة لذلك،‏ جرى تقويض ايمان كثيرين بالكتاب المقدس.‏

وفي هذه الاثناء،‏ كانت الثورة الصناعية تمضي قُدُما وتكسب زخما.‏ وتحوَّل التشديد من الزراعة الى الصناعة والصناعة الآلية.‏ وتطوُّر القاطرة البخارية (‏باكرا في القرن الـ‍ ١٩)‏ ادى الى توسيع السكك الحديدية في كل انحاء البلاد.‏ والنصف الاخير من القرن الـ‍ ١٩ شهد اختراع التلفون (‏١٨٧٦)‏،‏ الفونوڠراف (‏١٨٧٧)‏،‏ الضوء الكهربائي (‏١٨٧٨-‏١٨٧٩)‏،‏ وكذلك استعمال اللينوتَيْپ في انتاج سطور من الحروف المطبعية للطباعة (‏١٨٨٤)‏.‏

كان الجنس البشري يدخل مرحلة اعظم تطور للنقل والاتصال السريع في التاريخ.‏ وعلى الرغم من ان هذه الفوائد كانت ستُستخدم لتقدُّم الاهداف التجارية والسياسية،‏ كانت ستتوافر ايضا للحقل الديني.‏ وهكذا أُعدَّ المسرح لمبادرة متواضعة من قبل فريق صغير من تلاميذ الكتاب المقدس الذين كانت ستصير لهم تأثيرات عالمية.‏

‏[الحواشي]‏

^ في الاسفار اليونانية المسيحية،‏ ان الاسم «ارتداد» (‏باليونانية،‏ أپوستاسيا‏)‏ له معنى «الهجر،‏ التخلِّي عن او التمرد.‏» (‏اعمال ٢١:‏٢١‏،‏ حاشية ع‌ج‏)‏ وهو يشير هناك بشكل رئيسي الى نقض ولاء ديني؛‏ انسحاب من او تخلٍّ عن العبادة الحقة.‏

^ في الاسفار المقدسة يشير التعبيران «ناظر» و «شيخ،‏» الى المركز نفسه.‏ (‏اعمال ٢٠:‏​١٧،‏ ٢٨؛‏ تيطس ١:‏​٥،‏ ٧‏)‏ فالكلمة «شيخ» تدل على صفات النضج التي للشخص المعيَّن على هذا النحو،‏ و «ناظر» على المسؤولية الملازمة للتعيين —‏ السهر على مصالح الاشخاص الذين في عهدته.‏

^ تُشتق الكلمة الانكليزية bishop (‏اسقف)‏ من التعبير اليوناني اپيسكوپوس (‏ناظر)‏ كما يلي:‏ من bisshop الانكليزية المتوسطة،‏ من bisceop الانكليزية العتيقة،‏ من biscopus اللاتينية العامية،‏ تهجية مختلفة لـ‍ episcopus اللاتينية المتأخرة،‏ من اپيسكوپوس اليونانية.‏

^ تُشتق الكلمة الانكليزية priest (‏كاهن)‏ من پرسبيتيروس (‏شيخ)‏ كما يلي:‏ من st‏(‏e‏)‏ pre الانكليزية المتوسطة،‏ من prēost الانكليزية العتيقة،‏ من prester اللاتينية العامية،‏ اختصار من presbyter اللاتينية المتأخرة،‏ من پرسبيتيروس اليونانية.‏

^ على مرّ الوقت جرى الاعتقاد ان اسقف روما،‏ الذي يدَّعي انه خليفة بطرس،‏ هو الاسقف الاسمى والبابا.‏ —‏ انظروا Mankind’s Search for God  (‏بحث الجنس البشري عن اللّٰه‏)‏‏،‏ اصدار جمعية برج المراقبة للكتاب المقدس والكراريس في نيويورك،‏ ١٩٩٠،‏ الصفحات ٢٧٠-‏٢٧٢.‏

^ على نحو مثير للاهتمام،‏ يلاحظ الدكتور نياندر:‏ «لقد استُنبط الاستنتاج الخاطئ انه كما كان هنالك في العهد القديم كهنوت منظور مقترن بصف معيَّن من الرجال،‏ يجب ان يكون هنالك ايضا الامر عينه في [العهد] الجديد .‏ .‏ .‏ والمقارنة الخاطئة للكهنوت المسيحي باليهودي عزَّزت من جديد تقدُّم الاسقفية على منصب المشايخ.‏» —‏ تاريخ الدين المسيحي والكنيسة،‏ ترجمة هنري جون روز،‏ الطبعة الثانية،‏ نيويورك،‏ ١٨٤٨،‏ ص ١١١.‏

^ تفترض هذه الفكرة على نحو خاطئ انه عند الموت يذهب كل المسيحيين الى السماء.‏ لكنَّ الكتاب المقدس يعلِّم ان ٠٠٠‏,١٤٤ شخص فقط مدعوون ليحكموا مع المسيح في السماء.‏ (‏رؤيا ٧:‏٤-‏٨؛‏ ٢٠:‏٤-‏٦‏)‏ وآخرون لا يُعدّون يمكن ان يحصلوا على رجاء الحياة الابدية على ارض فردوسية تحت سلطة ملكوت المسيح.‏ —‏ متى ٦:‏١٠؛‏ رؤيا ٧:‏​٩،‏ ١٥‏.‏

^ كما هو مستعمَل في هذه المطبوعة،‏ يشير التعبير «العالم المسيحي» الى المسيحية المزعومة،‏ بالتباين مع مسيحية الكتاب المقدس الحقيقية.‏

^ من اجل مناقشة اكمل للاصلاح وما انجزه،‏ انظروا الفصل ١٣،‏ «الاصلاح —‏ البحث اتخذ اتجاها جديدا،‏» في كتاب بحث الجنس البشري عن اللّٰه.‏

‏[النبذة في الصفحة ٣٣]‏

بينما كانت لا تزال في طفولتها،‏ جرى تهديد الجماعة المسيحية من الارتداد

‏[النبذة في الصفحة ٣٤]‏

المقاومة الداخلية كانت لها بدايات صغيرة

‏[النبذة في الصفحة ٣٧]‏

لم يحوِّل المرتدّون بركات الحكم الالفي من الارض الى السماء فحسب لكنهم نقلوا الملكوت من السماء الى الارض

‏[الاطار/‏الصورة في الصفحة ٣٦]‏

افلاطون و «المسيحية»‏

لم تكن لدى الفيلسوف اليوناني افلاطون (‏وُلد نحو السنة ٤٢٨ ق‌م)‏ اية طريقة ليعرف ان تعاليمه ستجد اخيرا طريقها الى المسيحية المرتدة.‏ واسهامات افلاطون الرئيسية في «المسيحية» كانت بخصوص تعليمَي الثالوث وخلود النفس.‏

واراء افلاطون في اللّٰه والطبيعة اثَّرت في عقيدة ثالوث العالم المسيحي.‏ يوضح «القاموس الجديد العالمي»:‏ «الثالوث الافلاطوني،‏ وهو بحد ذاته مجرد اعادة ترتيب لثواليث اقدم يعود تاريخها الى شعوب ابكر،‏ يبدو انه الثالوث الفلسفي المعقول للرموز التي انشأت الثلاثة الاقانيم او الاشخاص الالهيين الذين تعلِّم بهم الكنائس المسيحية.‏ .‏ .‏ .‏ ان تصور هذا الفيلسوف اليوناني للثالوث الالهي .‏ .‏ .‏ يمكن ايجاده في كل الاديان [الوثنية] القديمة.‏» —‏ المجلد ٢،‏ الصفحة ١٤٦٧.‏

وفي ما يتعلق بعقيدة خلود النفس،‏ تقول «دائرة المعارف الكاثوليكية الجديدة»:‏ «ان المفهوم المسيحي للنفس الروحية المخلوقة من اللّٰه والمنفوخة في الجسد عند الحبل لجعل الانسان وحدة كاملة حية هو ثمرة تطور طويل في الفلسفة المسيحية.‏ وفقط مع اوريجينس [مات نحو ٢٥٤ ب‌م] في الشرق والقديس أوغسطين [مات ٤٣٠ ب‌م] في الغرب تأسست النفس كجوهر روحي ومفهوم فلسفي تشكَّل من طبيعتها.‏ .‏ .‏ .‏ وعقيدته [أوغسطين] .‏ .‏ .‏ كانت مدينة كثيرا (‏بما في ذلك بعض النقائص)‏ للافلاطونية المحدثة.‏» —‏ المجلد ١٣،‏ الصفحتان ٤٥٢،‏ ٤٥٤.‏

‏[الصورة في الصفحة ٣٥]‏

كبريانوس،‏ «اسقف» قرطاجة،‏ رأى الاساقفة بصفتهم صفا منفصلا عن المشايخ،‏ الشمامسة،‏ وعامة الشعب

‏[الصورة في الصفحة ٣٩]‏

‏«ان الكنيسة الآن ايضا هي ملكوت المسيح،‏ وملكوت السماء» (‏أوغسطين الذي من هيپّو)‏

‏[الصور في الصفحة ٣٨]‏

مصلِحون هاجموا الكنيسة في قضايا مختلفة

مارتن لوثر

جون كالڤن

اولريخ زْوينڠلي

‏[الصور في الصفحة ٤١]‏

‏«البيان الشيوعي» لكارل ماركس عزَّز في الواقع عبادة الدولة.‏ «اصل الانواع» لتشارلز داروين اثَّر عميقا في التفكير العلمي والديني في ذلك الوقت

‏[الصورة في الصفحة ٤٠]‏

القاطرة البخارية

‏[الصورة في الصفحة ٤٠]‏

الضوء الكهربائي

‏[الصورة في الصفحة ٤٠]‏

اول تلفون

‏[الصورة في الصفحة ٤٠]‏

اللينوتَيْپ الباكر

‏[الصورة في الصفحة ٤٠]‏

الفونوڠراف